الشوكاني
119
نيل الأوطار
للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : أحب أموالي إلي بيرحاء لحائط له مستقبلة المسجد متفق عليه . حديث أبي الأحوص أخرجه أيضا أبو داود والنسائي والترمذي والحاكم في المستدرك ورجال إسناده رجال الصحيح . وحديث سويد بن هبيرة أخرجه أيضا أبو سعيد والبغوي وابن قانع والطبراني في الكبير والبيهقي في السنن والضياء المقدسي في المختارة وصححه ، وأخرجه أيضا عنه من طريق أخرى العسكري . وحديث عمر قد سبق في أول كتاب الوقف . قوله : فإذا آتاك الله مالا ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إتيان المال مع أمره بإظهار النعمة عليه يدل على أنه علة ، لأنه لو لم يمكن التعليل لما كان لإعادة ذكره فائدة وكان ذكره عبثا ، وكلام الشارع منزه عنه . قوله : فلير بسكون لام الامر والياء المثناة التحتية مضمومة ، ويجوز بالمثناة من فوق باعتبار النعم المذكورة ، ويجوز أيضا بالمثناة من تحت المفتوحة . وفيه أنه يستحب للغني أن يلبس من الثياب ما يليق به ليكون ذلك إظهارا لنعمة الله عليه ، إذ الملبوس هو أعظم ما يظهر فيه الفرق بين الأغنياء والفقراء ، فمن لبس من الأغنياء ثياب الفقراء صار مماثلا لهم في إيهام الناظر له أنه منهم ، وذلك ربما كان من كفران نعمة الله عليه ، وليس الزهد والتواضع في لزوم ثياب الفقر والمسكنة ، لأن الله سبحانه أحل لعباده الطيبات ، ولم يخلق لهم جيد الثياب إلا لتلبس ما لم يرد النص على تحريمه ، ومن فوائد إظهار أثر الغنى أن يعرفه ذوو الحاجات فيقصدونه لقضاء حوائجهم . وقد أخرج الترمذي حديث : إن الله يحب أن يرى أثر نعمته بالخير على عبده وقال : حسن ، فدل هذا على أن إظهار النعمة من محبوبات المنعم ، ويدل على ذلك قوله تعالى : * ( وأما نعمة ربك فحدث ) * ( الضحى : 11 ) فإن الامر منه جل جلاله إذا لم يكن للوجوب كان للندب ، وكلا القسمين مما يحبه الله ، فمن أنعم الله عليه بنعمة من نعمه الظاهرة أو الباطنة فليبالغ في إظهارها بكل ممكن ، ما لم يصحب ذلك الاظهار رياء أو عجب أو مكاثرة للغير ، وليس من الزهد والتواضع أن يكون الرجل وسخ الثياب شعث الشعر . فقد أخرج أبو داود والنسائي عن جابر بن عبد الله قال : أتانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرأى رجلا شعثا قد تفرق شعره فقال : أما كان هذا يجد ما يسكن به شعره ؟ ورأي رجلا آخر عليه ثياب وسخة فقال : أما كان هذا يجد ما يغسل به